بشار المصري.. رجل أعمال يقارع الاحتلال ومستوطنيه بمشاريع إسكان للفلسطينيين

9 مارس 2011

رام الله- لا يحمل على كتفه "آر.بي.جيه" لقصف دبابة إسرائيلية، ولم يفكر ذات يوم بربط حزام ناسف حول خصره، بل ربما لم يحمل حجرا ليلقيه على جندي يحتل بيته ويغتصب مزرعته، أو يرد الحجر الذي يلقيه مستوطن عليه في طريقه ما بين مدينة وأخرى في الضفة الغربية، لكنه بات في الفترة الأخيرة "عدواً لدوداً" لإسرائيل، و"إرهابياً" يسير المستوطنون مسيرات غاضبة ضده، وضد مشاريعه.

 

رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، بجسده النحيل، ووسامته، بات مثار رعب للعديد من مؤسسات الاحتلال، ومصدر كوابيس متكررة لقادة الجمعيات الاستيطانية المتطرفة، وأعضائها.

 

لم تقف الأمور عند حد تسيير مستوطني "عطيرت" وغيرها من مستوطنات الضفة مسيرات غاضبة ضد بناء مدينة روابي، التي يصر المصري على أن ترى النور رغم كل المعوقات الإسرائيلية، والتي وصلت إلى درجة استصدار قرار في الكنيست لمقاطعة أية شركة تسهم في بناء المدينة الفلسطينية الجديدة القريبة من رام الله ونابلس في آن، بل إن الأمور أخذت منحى تصاعديا إلى درجة بات فيها المصري عنوانا رئيسا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ومحورا لاجتماعات قادة الجمعيات الاستيطانية، لشن حملة شرسة ضده، بعد أن قطع شوطا كبيرا لشراء مشروع إسكان من شركة إسرائيلية في حي جبل المكبر في القدس الشرقية المحتلة، تحيط به منازل الفلسطينيين من كل اتجاه.

 

المصري، الذي تتقاطر "الجرافات" الدمى بأحجام مختلفة في أحد أركان مكتبه، يشدد على أن مساعيه لشراء المشروع السكني في جبل المكبر جاءت بعد دراسة لاحتياجات السكان الفلسطينيين في القدس لمشاريع سكنية من هذا القبيل، و"بالنسبة لي القدس الشرقية جزء من الضفة الغربية ولا تنفصل عنها.. قمت بهذه الخطوة بهدف تلبية الاحتياجات الفلسطينية في القدس لمشاريع إسكانية، خاصة أن المقدسيين محرومون من تصاريح البناء في القدس، إلا في حالات نادرة، وهذا ما يدفعهم للتفكير في السكن خارج مدينتهم".

 

ويكشف المصري أن مساعي شراء مشروع جبل المكبر أو نوف تسيون كما تسميه الشركة الإسرائيلية المالكة (ديغال) يعود إلى عامين، وأن هناك عديد الأسباب وراء هذه المساعي، منها أن الأرض التي يقام عليها المشروع تقع في قلب تجمع سكاني فلسطيني كبير في القدس، إضافة إلى حصوله على تراخيص ببناء 400 وحدة سكنية، مع العلم أنه "من شبه المستحيل" حصول أي مستثمر فلسطيني على رخصة ببناء وحدة سكنية واحدة في القدس الشرقية.

 

وأشار المصري إلى أن هذا التوجه للاستثمار في مجال الإسكان في القدس، بدأ بعد أن تكشف أن الكثير من طلبات شراء وحدات سكنية في "روابي" كانت لمقدسيين، وبالتالي وجدنا في شركتي "مسار" و"بيتي" أنه من الخطأ نقل فلسطينيين من مدينة إلى أخرى بسبب عدم توفر وحدات سكنية في هذه المدينة، والحديث هنا عن القدس.. ويقول: لا نريد الدخول في تفاصيل شعارات سياسية لأن تعزيز صمود الفلسطينيين في القدس مسألة مهمة بالنسبة لنا بطبيعة الحال، لكننا نتحدث عن صفقة اقتصادية.

 

ويضيف المصري "كنا قاب قوسين وادنى من اتمام الصفقة، قبل تسريب أنباء صحافية عن نية مستثمر عربي، ومن ثم الحديث عني بالتحديد كمستثمر فلسطيني ينوي شراء مشروع إسكان مخصص بالاساس لمستوطنين متطرفين، فقامت الدنيا ولم تقعد، وبدأت حملة كبيرة لإجهاض الصفقة، عبر سلسلة مظاهرات واحتجاجات، وحملات لجمع الأموال وتسديد مستحقات الشركة الإسرائيلية لبنك "ليئومي"، وحرماننا من إتمام الصفقة، وتمكنوا بالفعل خلال أسابيع قليلة من جمع ملايين الشواكل ونجحوا في صد محاولتنا الأولى لإتمام الصفقة، قبل أن نتوجه إلى البنك، ونقدم له عرضاً مغرياً يفوق ما يطلبه من مستحقات على الشركة الإسرائيلية المالكة للمشروع، فكانت الخطوة المضادة أن قام عدد من حاخامات المستوطنين بتوقيع عريضة ضد البنك، قبل أيام، فيها الكثير من التحريض ضدنا، وضد إتمام الصفقة، لدرجة وصفي بأنني "عدو إسرائيل" و"إرهابي سابق".

 

ورغم كل محاولات إحباط صفقة شراء المصري لمشروع الإسكان في جبل المكبر، يبدو أنه مصر على مواصلة العمل والتحدي، متسلحاً بإرادة وعزيمة قويتين تعكسهما نبرة صوته الواثقة ونظرات عينيه الحادتين، وهو يقول "صحيح أن عدد من الجمعيات الاستيطانية قدمت ضمانات إلى البنك الإسرائيلي بتقديم عرض مشابه للعرض الذي تقدمت به، لكن ميزة العرض الخاص بي أنه نقدي .. صحيح ان هناك تباطؤا يعكس تواطؤا ما من قبل البنك، وصحيح أنهم أعلنوا أن البنك وافق على عرضهم، لكني سأسير حتى النهاية، و"الأيام بيننا".

 

ويعترف المصري أنه تفاجأ بالقوة التنظيمية للخصم، فهو مستثمر يعمل بمفرده في مواجهة جماعات منظمة على أعلى المستويات، متسلحين بالأيديولوجيا الدينية، والإعلام، لجمع الأموال، وينجحون في ذلك بشكل لافت، في وقت "كنت أقاتل وحيداً في هذه المعركة، مع أنني لم أطلب مساعدة أحد".

 

ويضيف "من خلال هذه المعركة شعرت بالواقع، والواقع بلا شك محبط، وخاصة في القدس المحتلة.. هناك تغييرات يومية تحدث على الأرض في القدس من الصعب في المستقبل تغييرها.. أكثر ما جعلني أشعر بالضيق أنه وبعيد الترويج بفشلي فيما أسموه السطو على المشروع في جبل المكبر، عرض عليّ أكثر من عشرين مشروعاً في القدس، منها 12 مشروعاً يملكها إسرائيليون، لكن للأسف لا نملك المبالغ اللازمة للاستثمار في هذه المشاريع، رغم قناعتنا بأن نصفها على الأقل "مشاريع ممتازة".

ويقول "شعرت بالأسف بأن لا مشترين لمثل هذه المشاريع ممن يروجون بأنهم يرغبون بأن تبقى القدس لأصحابها من فلسطينيين وعرب وغيرهم، مع أن الإسرائيليين على استعداد تام للبيع".

 

وفي وقت يصر فيه المصري على أنه مستمر في الصراع على جبهة مشروع جبل المكبر رغم ضيق فسحة الأمل، يكشف عن أن هناك مفاوضات للاستثمار في مشاريع أخرى في القدس، ويؤكد إصراره على السير في طريق الاستثمار في القدس الشرقية.

ويقول "لا أريد أن أقول لأسباب سياسية.. دعني أقول لأنها مهمشة ومهملة على الأقل مع أن بيان الحاخامات الأربعة عشر الأخير هو بمثابة تصريح بقتلي"، خاصة أنهم نشروا صوري، ووصفوني بالإرهابي، وبعدو إسرائيل"، وفق ما يؤكد المصري، الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والأردنية، ولا يحمل رقما وطنيا فلسطينياً، وبالتالي لربما يعاني في قادم الأيام من حظر يحول دون دخوله الأراضي الفلسطينية.

 

ويقر المصري أن فرص الاستثمار في القدس تتطلب الكثير من الجلد، خاصة أن أي مستثمر فلسطيني سيكون حينها في مواجهة "أموال أيديولوجية"، وليست "أموال استثمارية"، وبالتالي الاستثمار في القدس قد يتطلب دعماً لحجم المخاطرة، لكن الفرص التجارية هناك ليست معدومة، خاصة أن هذه الأموال الإسرائيلية، وإن كان يتم جمعها بالاتكاء على الأيديولجيا الدينية للجماعات اليهودية المتطرفة، إلا أنها تتحول إلى مشاريع تجارية في النهاية، كما هو حال مشروع جبل المبكر، علماً بأن القانون الإسرائيلي لا يمنع الفلسطيني أو العربي من الشراء في القدس، بما في ذلك العقارات، وإن كان سيعرقل منح تراخيص البناء، وبالتالي من السهل لو توفرت الإرادة والأموال الحفاظ على العقارات الفلسطينية في القدس، بل وشراء عقارات إسرائيلية أيضاً، ما من شأنه قلب المعادلة الجغرافية والديموغرافية التي تسعى السلطات الإسرائيلية إلى فرضها في المدينة المقدسة.

 

يقاتل بشار المصري هذه الأيام على أكثر من جبهة، فمن "روابي" التي يصر على إتمام بنائها كأول مدينة نموذجية فلسطينية، رغم عراقيل الاحتلال والمستوطنين الذي هاجموا المدينة واقتلعوا أشجارها أكثر من مرة، إلى مشروع جبل المكبر المطل على قبة الصخرة، ويأتي في قلب احياء فلسطينية في القدس الشرقية.. يقاتل بروح ثائر سلاحه الإصرار على أن الاستثمار في فلسطين، وفي القدس العاصمة ممكن بل وواجب، وخاصة إذا ما كان الاستثمار في قطاع الإسكان، فحين يرتفع مدماكاً فوق آخر تتكسر مشاريع "الترانسفير" الصهيونية المتواصلة منذ عقود، وما تزال.

مصدر الخبر